أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

159

العقد الفريد

الحمد للّه الذي استخلص الحمد لنفسه ، واستوجبه على جميع خلقه ، الذي ناصية كلّ شيء بيده ، ومصير كل شيء إليه ، القويّ في سلطانه ، اللطيف في جبروته ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطى لما منع ، خالق الخلائق بقدرته ، ومسخّرهم بمشيئته ، وفيّ العهد ، صادق الوعد ، شديد العقاب ، جزيل الثواب ؛ أحمده وأستعينه على ما أنعم به مما لا يعرف كنهه غيره ؛ وأتوكل عليه توكّل المتسلم لقدرته ، المتبري من الحول والقوّة إليه ؛ وأشهد شهادة لا يشوبها شك أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، إلها واحدا صمدا ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له وليّ من الذل وكبّره تكبيرا ، وهو على كل شيء قدير ، قطع ادعاء المدّعي بقوله عز وجل : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » . وأشهد أنّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلم صفوته من خلقه ، وأمينه على وحيه ، أرسله بالمعروف آمرا . وعن المنكر ناهيا ، وإلى الحق داعيا ؛ على حين فترة من الرسل ، وضلالة من الناس ، واختلاف من الأمور ، وتنازع من الألسن ، حتى تمم به الوحي ، وأنذر به أهل الأرض . أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه ؛ فإنها العصمة من كل ضلالة ، والسبيل إلى كل نجاة ؛ فكأنكم بالجثث قد زايلتها أرواحها ، وتضمنها أجداثها ، فلن يستقبل معمّر منكم يوما من عمره إلا بانتقاص آخر من أجله ، وإنما دنياكم كفيء الظل أو زاد الراكب ؛ وأحذركم دعاء العزيز الجبار عبده ، يوم تعفي آثاره ، وتوحش منه دياره ، وييتم صغاره ، ثم يصير إلى حفير من الأرض ، متعفرا على خدّه ، غير موسد ولا ممهد : أسأل الذي وعدنا على طاعته جنته ، أن يقينا سخطه ، ويجنّبنا نقمته ، ويهب لنا رحمته . إنّ أبلغ الحديث كتاب اللّه . وخطبة له رضي اللّه عنه : أمّا بعد ؛ فإنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع ، وإنّ المضمار اليوم والسباق غدا ، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل ؛

--> ( 1 ) سورة الذاريات الآية 56 .